أخر تحديث للموقع بتاريخ: 18 سبتمبر 2017
لغتي هويتي

أنت هنا

لغتي هويتي

 

لغتي هويتي

 

      إنّ "اللغة"، هي لسان الجماعة، ومرآة فكرها، ومنجم عطائها، والملمح الرئيسي لخصوصيتها. "والقوي" واع تماماً لهذه الأبعاد. ولهذا فإنه في تنظيراته الحاضرة والمستقبلية يركز في هدم خصوصيات الآخرين على حصنين قويين: اللغة، والدين، إذ يرى فيهما عنصرين مركزيين لأية ثقافة أو حضارة.

يتنزل في هذا الاطار موضوعنا الذي يتمثل في ابراز دور اللغة في التعريف والنهوض بالهوية والتعريف بالحضارة  لذلك لا بد من تحديد مفهوم اللغة أولا ثم الهويّة ثانيا ثم التعرض لجدل العلاقات بينهما

مفهوم الهوية

       يذهب معظم الباحثين إلى أن اسم " الهوية " ليس عربيا وإنما كلمة مولدة اشتقها المترجمون القدامى من ال " هو " أي حرف الرباط .. الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره، وهو حرف " هو " في قولهم: زيد هو حيوان أو إنسان "، ولينقلوا، بالتالي، بواسطتها

يقول الفارابي، "المعنى الذي تؤديه كلمة ' هست ' بالفارسية وكلمة 'استين' باليونانية، أي فعل الكينونة في اللغات الهندو- أوربية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثم عدلوا عنها ووضعوا كلمة 'الموجود ' مكان ال ' هو' و 'الوجود' مكان 'الهوية '

مفـهـوم اللـغـة

لغة

     تدور معانيها حول الرمي أو الطرح أو اللفظ، تقول: لغوت بكذا، إذا لفظت به وتكلمت وإذا أردت أن تسمع من الأعراب فاستلغهم : فاستنطقهم  ، واستخدم القرآن الكريم كلمة  ”لسن“ للدلالة على اللغة  ،﴿لسان الذي يُلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ (النحل 103)،  ﴿بلسان عربي مبين﴾ (الشعراء 195)،  ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لساناً﴾ (القصص 34)

 ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ (الروم 22).

اصطلاحا

ولا تبتعد مادة "لسن" هذه عن "لغو " أو "لغي" يقول الزمخشري: "لكل قوم لِسْن: لغة. ولسان العرب أفصح لسان

لقدعرفها ابن جني (ت 390 هـ) بأنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم والربط بين الأصوات والأغراض يشير إلى مسألة معروفة، هي أن اللغة في حقيقتها انعكاس للفكر ، والتعبير عن الفكر هو أحد أهم وظائف اللغة كما يرى علماء الاجتماع اللغوي (سوسيولوجيا اللغة) واللغة هي صورة العالم في رأس الجماعة، أو في عقلها الجمعي بلغة علم الاجتماع.

        باللغة نعيش و في مرآتها تنعكس دواخلنا وبوساطتها نتصل بالآخرين من أبناء جلدتنا ونتواصل معهم لكننا غافلون عن هذه العلاقة لشدة قربها منا وقوة التصاقها بحياتنا.

 

مفهوم الهوية

       يذهب معظم الباحثين إلى أن اسم " الهوية " ليس عربيا وإنما كلمة مولدة اشتقها المترجمون القدامى من ال " هو " أي حرف الرباط .. الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره، وهو حرف " هو " في قولهم: زيد هو حيوان أو إنسان "، ولينقلوا، بالتالي، بواسطتها.  يقول الفارابي، "المعنى الذي تؤديه كلمة ' هست ' بالفارسية وكلمة 'استين' باليونانية، أي فعل الكينونة في اللغات الهندو- أوربية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثم عدلوا عنها ووضعوا كلمة 'الموجود ' مكان ال ' هو' و 'الوجود' مكان 'الهوية '  ويعرف أرسطوا الهوية باعتبارها: "وحدة الكائن، أو هي وحدة لتعدد الكائنات،”

وتستعمل كلمــة (هوية) في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة identityالتي تعبرعن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقته لمثيله أما عند علماء النفس فهي "وحدة ذات الشخص في مراحله المختلفة، طفلاً وشابّاً وكهلاً وشيخاً".  وعندعلماء الاجتماع يرون في "الهوية" ذلك "الشيء الذي يُشعر الشخص بالاندماج في المجتمع الذي يعيش فيه، والانتماء إليه".

أما علماء الميتافيزيقا (الغيبيات) فالهوية عندهم "جوهر العقل وماهيته".  فالهوية مفهوم مطلق يعني الحقيقة والماهية والذات والوحدة والاندماج والانتماء

لكن كيف تتشكل الهوية، وما هي العوامل التي تساهم في هذا التشكل؟

       هوية الفرد تكون هوية بسيطة، تلك التي هي الأقرب إلى الذهن ،ما يُعْرَفُ اليوم بـ "البطاقة الشخصية" هوية مركبة، تلك التي تحدد اتجاهه ومسار فكره وعقيدته وانتماءاته، ومثل هذه الهوية هي التي تجمعه بغيره من الذين يشتركون معه في الاتجاه والفكر والعقيدة والانتماءات. حصرالمنظّرون لمسألة الهوية العوامل التي تشكل الهويات فيما يلي: اللغة والدين و التاريخ، الجغرافيا (المكان)، التكوين النفسي – الثقافي

جـدل اللغـة والهـويـة

إذا كانت اللغة هي تلك الخاصية الإنسانية التي تعكس العقل الجمعي لفئة من البشر، وتعبر عن رؤيتهم للعالم من حولهم، وإذا كانت الهوية هي الحقيقة والذات والماهية، فإنه يمكن القول دون أن يكون ثمة افتعال: إن اللغة تعد صورة حية لحقيقة أصحابها وذاتهم وماهيتهم.

 

إنّ العلاقة بين اللغة وأصحابها علاقة تفاعلية، يصعب معها الفصل بين الطرفين، فهي هم، وهم هي، وبعبارة أخرى هي (اللغة) الهوية، وهي (الهوية) اللغة.

 

            ينظر علماء الاجتماع إلى اللغة على أنها حقيقة وظاهرة اجتماعية، وتعبير عن تنظيم اجتماعي لمجتمع معين. ومن هنا نفهم تعلق كل شعب بلغته، لأن الأفراد دائماً يرتبطون بأبنيتهم الاجتماعية. ويربط أحد الباحثيـن بين مستقبل اللغة ومستقبل الهوية على أساس أن اللغة إحدى قسماتها، ولا شك أن ربطه هذا صحيح، وبخاص في حال لغة كالعربية، ترتبط بالدين، وتكتسب قداسة حتى عند غير الناطقين بها، فضياعها يعني ضياع أحد المقدسات. لكن الله – سبحانه – قد حفظها من التفكك والموت.

تعد اللغة هي المكون الأول والرئيسي في الهوية الثقافية ، وبالتالي فالحفاظ علي اللغة يعني ضمان بقاء واستمرارية أي مجتمع .

أشارت منظمة اليونسكو على لسان مديرها إلى أهمية الحفاظ على اللغات الخاصة بالمجتمعات حيث قال :

 إنّ " اللغات هي من المقومات الجوهرية لهوية الأفراد والجماعات،  وعنصر أساسي في تعايشهم السلمي ،  كما أنها عامل ‏استراتيجي للتقدم نحو التنمية المستدامة، وللربط السلس بين القضايا العالمية والقضايا المحلية... تعدد اللغات عن بصيرة هو ‏الوسيلة الوحيدة التي تضمن لجميع اللغات إيجاد متسع لها في عالمنا الذي تسوده العولمة ، لذلك تدعو اليونسكو الحكومات وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والجمعيات ‏المهنية وجميع الجهات المعنية الأخرى إلى مضاعفة أنشطتها الرامية إلى ضمان احترام وتعزيز وحماية جميع اللغات، ولا ‏سيما اللغات المهددة، وذلك في جميع مجالات الحياة الفردية والجماعية "

         رغم ذلك فإن اللغة هوية، وليست "الهوية" لغةً، بمعنى أن اللغة ليست المقوم الوحيد للهوية، وإن كانت من أهم هذه المقومات، وأشدها خصباً وعمقاً وتركيباً ، فالعلاقة بين اللغة والهوية هي علاقة الخاص بالعام، فالهوية أعم من اللغة؛ لأن الهوية لها تجليات عديدة غير "اللغة" إذ إنها (الهوية) ببساطة متناهية ليست سوى تلك القواسم المشتركة أو القدر المتفق عليه بين مجموعة من الناس، ذلك الذي يميزهم ويوحدهم، وليست اللغة وحدها التي تقوم بهذه المهمة، وهذا يعيدنا إلى المقومات الأخرى للهوية

 

اللغة وعناصر الهوية الأخرى

       إنّ "هوية" هذه الجماعة لغوية، أو تاريخية، أو دينية، أو جغرافية.. إلخ، مما يعني أن العنصر الطاغي هو هذا أو ذاك، دون أن يلغي ذلك دور العنصر الآخر، أو العناصر الأخرى بالمرة.

      يرى الماركسيون مثلاً أن الهوية هي حصيلة خمسة خيوط فقط هي: اللغة، والتاريخ، والتكوين النفسي والثقافي، والاقتصاد، والجغرافيا. والألمان لا يضعون في حسبانهم سوى العِرق أو الجنس، واللغة، والفرنسيون يعتمدون خيط الإرادة أو المشيئة الذي يقوم بدوره على الجغرافيا والاقتصاد. والقوميون العرب يركزون على اللغة والتاريخ. والقوميون السوريون على الجغرافيا (الأرض). والإسلاميون على الدين. و التساؤل الذي يمكن أن يثار: هل يمكن ترتيب هذه العناصر وفق أوليتها ودرجة أهميتها في صياغة الهوية.؟

 

         إن الدين – في رأيي – يأتي في طليعة هذه العناصر، ذلك أنه يرتبط بالبنية العميقة للإنسان، والتكوين الداخلي لهذا الكائن، والمؤمن به يعتقد اعتقاداً يقينيّاً أنه صادر عن الله خالق الكون وخالق الإنسان، ومن ثم فهو – أي الخالق – أدرى وأعلم وأقدر على ترتيب مصالحه، ورسم خريطة حياته، ووضع خطة سعادته ومستقبله. وهذا ما يفسر لنا استمرار الأديان السماوية واستقطابها لمجموعات هائلة من البشر، سواء استمرت على نقائها، أو شابتها شوائب كثيرة أخرجتها عن حقيقتها. ومن الدين تنبثق مجموعة من القيم التي ترتبط بهذا الدين، وتحدد ملامح أتباعه. يلي الدين – في رأيي – اللغة. بعد الدين واللغة يأتي التاريخ، فالتاريخ يصنع هوية، لأنه مجموعة كبيرة من المشتركات للجماعة البشرية، تتكون عبر الزمن ، وكلما كان التاريخ ممتداً وحافلاً وأكثر تشابكاً كان أقدر على التأثير وصياغة الهوية. لذلك فإن "الأمة التي تنسى تاريخها تكون قد فقدت شعورها

ثمّ الجغرافيا (الأرض الواحدة) تقرب الجماعة البشرية، ويتجلى ذلك على المستوى اللغوي في ظهور اللهجات، وتقارب الأصوات، وعلى المستويات الأخرى: الاجتماعي (العادات والتقاليد) والخلقي (الشكلي)، الخلقي.. (القيمي)... إلخ

اللغة ونظريات الهوية

      لن تتضح مكانة اللغة ضمن منظومة الهوية، دون الكشف عن موقعها على خريطة هذه النظريات. لقد شهد أواخر القرن الثامن عشر والقرنان التاسع عشر والعشرون العديد من النظريات التي تؤسس لفكر الهوية،   وارتكز بعض هذه النظريات على "اللغة"، فالنظرية الألمانية، التي تقوم على فلسفة هيغل (المثالية) تقول منذ أوائل القرن التاسع عشر: إن أساس القومية (الهوية) ومعيارها الصحيح هو اللغة، وفي هذا الإطار يرى هيردر (ت 1803) "أن قلب الشعب إنما ينبض في لغة الشعب، وروح الشعب تكمن في لغة أسلافه، وهي الوعاء الذي استودعه الشعب كل ما أنجزه من نفائس الفكر وذخائر الأعراف والفلسفات والعقائد". كما حظيت "اللغة" بهذه المكانة عند الألمان، فإنها في فكر القومية العربية (ساطع الحصري) تجاوزت تلك المكانة، وتحولت إلى محور الفكر القومي العربي، فـ"اللغة" هي "روح الأمة وحياتها..."

         نستطيع أن نقول: إن الأمم يتميز بعضها عن بعض – في الدرجة الأولى – بلغتها. وإن حياة الأمم تقوم – قبل كل شيء – على لغاتها . كما أنّ هناك عنصر آخر (الجنس أو الأصل) في النظرية الألمانية فإنّ هناك أيضا عنصر آخر في فكر الحصري هو "التاريخ" على أن هذا العنصر الأخير ليس سوى تابع لـ "اللغة"، ولذلك فإن "الأمة التي تنسى تاريخها تكون قد فقدت شعورها، وتستطيع هذه الأمة أن تستعيد وعيها وشعورها بالعودة إلى تاريخها القومي"، في حين أنها "إذا ما فقدت لغتها تكون عندئذ قد فقدت الحياة، فقدان اللغة إذن موت، ونسيان التاريخ غياب مؤقت عن الشعور .

        لقد  بدأت التيارات الأنثروبولوجية بدء من نظرية النسبية اللغوية تؤكد على أن الإنسان محكوم في طرق تفكيره، واختيار سلوكه بثقافته، وما تمليه عليه لغته الأولى. وذهب رائدا تلك النظرية (سابير وورف) إلى أبعد من ذلك، بأن المرء لا يستطيع أن يكتسب من التجارب سوى ما تسمح له به لغته. وأكد ابن خلدون أن غلبة اللغة العربية بغلبة أهلها، وأن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الامم . وفي ضوء ما تقدّم  يمكن تعريف الهوية الثقافية العربية الإسلامية بأنها  مجموعة السمات والخصائص التي تنفرد بها الشخصية العربية ، وتجعلها متميزة عن غيرها من الهويات الثقافية الأخري ، وتتمثل تلك الخصائص في اللغة والدين و التاريح و الجغرافيا  والعادات والتقاليد والأعراف وغيرها من المكونات الثقافية ذات السمة العربية والإسلامية   

      إذن معنى ذلك  أن الهوية الثقافية العربية تتكون من عدة عناصر مرتبطة ببعضها ، وأي خلل في أحدها يؤدي إلي خلل في باقي مكوناتها.و لعلّ المتفحص للموقف الحضاري المعاصر ، يجد أن ثمة خطر يحدق بأمتنا العربية الإسلامية ، ويتمثل في تهديد هويتها وطمس معالم شخصيتها الوطنية ، ومصدر هذا الخطر يكمن في سطوة العولمة وما تروج له من دعاوي التمسك بالقيم الإنسانية العالمية ، واحترام حقوق الإنسان ، ومطالب النظام العالمي الجديد ، والمصير الإنساني المشترك ، والقرية الكونية ، والتربية من أجل السلام العالمي … إلى غير ذلك من مصطلحات ومفردات يعج بها قاموس العولمة المعاصر. وقد أشار "العقاد"  إلي تلك الحملات بقوله" الحملة علي لغتنا الفصحى حملة علي كل شئ يعنينا وزوال اللغة العربية  لا يبقي للعربي المسلم قواما يميزه في سائر الأمم .

         لذلك نقول ختاما اللغة العربية هي أبرز مظاهر الثقافة العربية ، وأزمة اللغة المعاصرة هي أزمة الهوية الثقافية في الوقت ذاته ، فاللغة هي أداة التعلم والتفكير ، كما أنها تمثل ذاكرة الأمة ، وهي أداة الاتصال الاجتماعي ، ولهذا كله فاللغة العربية تعد من أكثر الميادين أهمية ، ففيها الخصوصية القومية والوحدة الثقافية ، والتراث والاستمرارية الثقافية ، وحيوية الفكر العلمي والإبداع الأدبي والمعتقد الديني، ولذلك فاللغة العربية هي الهوية بحق  فهي أداؤنا لكي نصنع المجتمع واقعا .

 

      لذلك لابد من الاهتمام باللغة العربية ، فالمسلمون الأوائل حققوا أعظم المآثر في القرون الوسطي،  وأضافوا كثيرا للعلم ، وكانت العربية هي لغة هذا العلم وتلك الحضارة " فلقد كتبت بها المؤلفات القيمة ، غزيرة المادة ، شديدة الأصالة ، وكان على أي باحث يريد أن يلم بثقافة العصر أن يتعلم اللغة العربية ، وقد فعل ذلك كثيرون من غير العرب.

  

ويبقى حدّ لغتنا، الشعر والقرآن الكريم... كانت اللغة عند أجدادنا لهجات عبر لغات.. توحدت في لغة قريش.. ..

و حين تتحرر عقولنا تنهض اللغة بآدابها ومسارات تعبيرها في شتى مجالات الحياة.

            وستبقي اللغة العربية إذا ما بقي القرآن الكريم الذي تعهد الله بحفظه { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }

   

 

د.كريمة محمد كربية                 

أ.مساعدة بقسم اللغة العربية بكلية التربية بالدلم

قيم هذا المحتوى
QR Code for https://edud.psau.edu.sa/ar/article/1-24